أن تقرأ المدن اللامرئية في فندق الملك غازي

"Invisible Cities 2" by Ziki Questi licensed under CC BY-NC-ND 2.0

ضمن سلسلة من الحوارات، يصف رحّالة من البندقية اسمه ماركو بولو للامبراطور قوبلاي خان مدن امبراطوريته المترامية الأطراف، والتي أصبحت واسعة لدرجة أن قوبلاي خان لم يعد يعرف الكثير عن الحياة فيها، هذا بينما يعج البلاط الامبراطوري بسفراء يأتون للتحذير من المجاعات والمؤامرات، أو الإبلاغ عن اكتشاف مناجم جديدة للفيروز وأسعار فراء بَخسة.

كان الرحّالة قد وصل حديثاً إلى القصر. جاهلاً لغة الإمبراطور، كان ماركو يصف المدن باستخدام الإيماء وإخراج أشياء من حقائبه (ريش نعام، أحجار من الكوارتز، وحتى جمجمة “أسنانها خضراء متعفنة تعض على لؤلؤة بيضاء مستديرة”) يرتبها أمامه “مثل أحجار الشطرنج”. “كل ما عرضه ماركو، سواءً أكان غامضاً أم واضحاً، كان له قوة العلامة التي إن شاهدتها مرّة فلن تنساها أو تختلط عليك.”

هذه الحوارات الصامتة هي لب كتاب إيتالو كالفينو “مدنٌ لا مرئية”، فمن خلال قطع وإيماءات ماركو بولو ينمو عالم من خمس وخمسين مدينة أسطورية تقدّم رؤى معمّقة عن الشرط الإنساني.

 


 

لقد كلّفتُ بمهمّة: إنتاجُ قطعة مُصنّعة -لا على التعيين- من جزيرةٍ وهمية. أنا هنا للمشاركة بمشروع حول السرد، ولا أفهم لماذا أجلس على طاولة طويلة في فندق الملك غازي أطبع على قطعة من الورق آثاراً تركتها زواحف وهمية في الطين، ولا أفهم -فوق هذا- ما علاقة ذلك بالسرد. لكن بطريقةٍ ما، أحسّ بتوالد عالمٍ كامل من لطخات الأصباغ  الأكريلية البنّية على الورق. وبينما يكبر هذا العالم، أفاجىء نفسي باختلاق غابات مطريّة، وفلاسفة منشقّين، ونقوش حجرية قديمة تسكنه.

لطالما عانت إمكانيّاتي الإبداعية من التردّد والصعوبة والشكّ بالنفس، لكن خيمياء ما تتعلق بإنتاج هذه القطعة تجعل أصابعي تنشط وتطبع الكلمات مالئةً الشاشة.

 


 

يجلس قوبلاي خان وماركو بولو على الأدراج الرخامية لقصر الامبراطور، بين حدائق الماغنوليا، يناقشان حكم بلاده الواسعة؛ بينما أجلس أنا على حصيرة بلاستيكية وأتحدث مع نيكولاس جيفز وهو (لا)فنّان مقيم في جلسات الربيع. “مع أنني أنتج قطعاً فنية، إلا أنني لا أعتبر نفسي فناناً”، يقول لي ثم يضيف: “ولا أعتبر نفسي كاتباً مع أنني أكتب.”

في جلسات الربيع قاد نيكولاس مشروعاً جماعياً لإنتاج قطع مُصنّعة من جزيرة مُتخيّلة، موّثقة بكتاب بطاقات بريدية من متحف هيماني المتخيّل للانثربولوجيا، وجئت خلاله لإجراء مقابلة معه لمدوّنة  جلسات الربيع. ومع أن ما يغطّي ذراعي نيكولاس هو الأوشام، لا حرير البندقيّة، إلا أنني جئت إلى المقابلة محمّلة بفكرة مفادها أنه سيكون مرشدي إلى عالم قوى القطع المصنّعة الغامض (الذي أقنعت نفسي بوجوده).

أشعر في البداية أنه يرفض الإجابة عن أسئلتي. مجّهزةً بمسجلٍ للصوت وسنواتٍ من التخصص كعالمة اجتماع، أجلس على الأرض بانتظار الإجابات، لكن الحوار يتنقّل بغرابة بين مواضيع عشوائية. يقول لي: “عشت حياةً قائمة على العمل الذهني. مع مرور الزمن، وكلّما ازددت تفحّصاً للأشياء، وبدلاً من أن تصبح أكثر وضوحاً وتفاصيلها أكثر حدة، حصل العكس: أصبحت الأشياء غامضةً ومحيّرة.”

بعد نصف ساعة من هذا التراشق الحواريّ، بدأت أفهم أن المشروع لا يهدف إلى إنتاج كتاب من البطاقات البريدية الخاصة بالقطع المتخيّلة، بل إلى تحفيز عملية إبداعية من خلالها. “سنأخذ جوهر فكرتكِ ونحوّلها إلى قطعة يقول نيكولاس، “لكن سيكون بمقدورك تطوير العالم الذي ستخلقينه حولها لستة أشهر قادمة، أو لعام، أو عامين، أو لعشرين عاماً من حياتك. بإمكاننا أن نخلق أكواناً متعددةً بحالها مما بدأناه في جلسات الربيع.

يلعب استكشاف العوالم الخيالية دوراً مهماً في توجّهات نيكولاس الفنيّة. “أهتم أكثر بعدم معرفة ما أقوم بفعله بدلاً من معرفة ما أقوم بفعله” يقول لي، “بخصوص هذه الفكرة، قال لي معلّمي في كامبردج أننا نعيش اليوم في عالم يتعاطى فيه الناس المخدرات لأنهم يعرفون ما ستفعله هذه الأخيرة بهم. خذ هذا المخدر من أجل هذا [الشعور] وخذ ذلك المخدر من أجل ذاك. قال [معلّمي] ‘تعاطيت الكثير من المخدرات في الستينيات والسبعينيات. كنت مهتماً بها فقط لأنني لم أكن أعرف كيف ستؤثر عليّ. يبدو لي أن هذا هو السبب الوحيد لتعاطي المخدرات.’ ويبدو لي أن هذا هو السبب الوحيد لإنتاج الفنون، لأننا لا نعرف ما الذي سيحدث.”

ربما تكمن قوّة القطعة/العلامة هنا: في أنها منطلقٌ لاستكشاف المخيلة. يتأمل المراقب الشكل المادي للقطعة/العلامة ويُسقط على سطحها خليطاً من الروابط اللاواعية: رموزاً، ذكريات، تحيّزات اجتماعية، إحاساسات، شذرات من التاريخ. لو كنت محظوظاً، سيخرج شيءٌ جديدٌ من هذه الفوضى الذهنية، قد يكون شعوراً، أو حتى كشفاً (ما يصفه نيكولاس بحماس أنه لمعة مسار عصبيّ جديد خلق للتو”).

يخطر لي أن هذه الصفة الاستكشافية موجودة في الحوارات الصامتة التي تجري بين ماركو بولو وقوبلاي خان، حوارات “تعزز[ها] الفضاءات المحيطة [بها]، فراغات لا تملؤها الكلمات. كان لوصف ماركو بولو للمدن التي زارها هذه الفضيلة: بإمكان المرء أن يتجول فيها، أن يضيع فيها، أن يتوقف داخلها للاستمتاع بالهواء العليل، أو أن يركض في أي اتجاه.”

 


 

بينما تعبر الفصول، يبدأ ماركو بولو بتعلّم لغة التتار، وتأخذ الكلمات مكان القطع والإيماءات في حكاياته، لكن التواصل بينه وبين الامبراطور لا يعود سعيداً كما كان. “كانت روايات [ماركو] أكثر دقةً وتفصيلية ًمما كان يتوقعه الخان العظيم، ولم يكن ثمة سؤال أو فضول لم تلبيه. ومع ذلك، كل معلومة عن مكان استدعت إلى ذهن الامبرطور تلك الإيماءة الأولى أو تلك القطعة الأولى التي كرّس به ماركو المكان.أخذت المعلومة الجديدة معناها من تلك العلامة، وأضافت للعلامة معنى جديداً.

سأل الامبراطور ماركو بولو “‘في اليوم الذي سأعرف فيه كل العلامات، هل سأتمكن اخيراً من امتلاك امبراطوريتي؟’ فأجاب الرحّالة ‘مولاي، لا تصدق ذلك. في ذلك اليوم، ستصبح علامة بين العلامات.’”

 


 

* الإقتباسات من “مدن لا مرئية” مترجمة إلى العربية عن الترجمة الإنجليزية للكتاب وليس عن النص الإيطالي الأصلي.

ثريا الريّس كاتبة ومترجمة أدبية تسكن في عمان، الأردن. نُشرت لها ترجمات من الأدب العربيّ إلى الإنجليزية في مجلات أدبية عديدة منها وورلد ليتريتشر توداي (World Literature Today)، ذا كومن (The Common)، كت-بانك (CutBank)، وبانيبال (Banipal).

Advertisements

Join the discussion

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: