عن تواطؤ العمّال الثقافيين في مدينة مسكينة: حديث بين رائد ابراهيم واحمد الزعتري

بعد أن بدأ نقاش طويل حول دور الفنّان أثناء الجلسات التي قدّمها الفنّان رائد ابراهيم فيجلسات الربيع، صدرت رواية أحمد الزعتريالانحناء على جثّة عمّانومنعت من التوزيع في الأردن بعد فترة قصيرة. بالصدفة، ظهرت في الرواية شخصيّة رائد ابراهيم كفنّان بديل يتكلّم لهجة لبنانيّة صرف. من هنا بدأ الحوار حول فعل الهدم وإعادةوضع البديهيات على الطاولةكنظرة مشتركة بين أعمال ابراهيم ورواية الزعتري، وعمّا يمكن تجنّبه في هذا الصراع الدائر من حول هذه المدينةالمسكينة“.


أحمد الزعتري: قلت لي بأنّك وجدت نفسك في روايتيالانحناء على جثّة عمّان، أرجو أنّك فهمت بأنّ السياق لم يكن نقديّاً، أنا أستعمل الأشخاص من حولي في العادة. لكنّني أحببت كيف التقطت نفسك فيها رغم أنّني نسيت فعلاً.

رائد ابراهيم: بالعكس سعدت بذلك. أعجبتني الرواية جدّاً، رغم أنها كانت ثقيلة عليّ نفسيّاً. وسعدت كثيراً بالتعرّف عليك وفتح باب جديد لم أكن أراه خلال الوقت الذي قضيناه معاً. أعرفك من خلال أحادثينا والنقاشات العامّة ومقالاتك، لكن ليس كراوٍ. أشعر الآن بأنّني تعرّفت عليك وعلى رؤيتك للأمور بشكل أعمق. أحببت الجزء الذي كان الرواي يصف الأمور من حواليه، ثم يقول: أنا أقوم بوصف الأمور من حوالي، وهذه هي المراحل اليائسة من الإنتاج. طبعاً قبل أن تدخل مرحلة الحديث عن عمّان والحرب الأهلية المفترضة فيها.

أ. ز: تعرف بأن هذا هو المكان الذي أعيش به، لكنني طيلة الوقت أريد أن يحصل شيء للمدينة. لكن الآن، وبينما الأمر يقترب فعلاً منّا،داعشوغيرها، لا أعرف إن أريد لها هذا الأمر. ثمّة من شعر بالإهانة من تلك الفكرة، خاصّة الرقابة التي أفهم لماذا منعوا الرواية: لأنها بالنهاية تتحدّث عن أماكن معروفة مثل مستشفى الأردن والدوار الرابع وجسر عبدون. لكن يمكن لأيّ منّا أن يذهب إلى السينما ويشاهد البيت الأبيض وهو ينفجر، أعتقد بأنّ هذا هو ما تحاول صنعه في أعمالك، فأنت تتعامل مع مواضيع بديهيّة للغاية، وتعيدوضعها على الطاولةأمام الناس مثل عملكغزوة نيويورك“. مثلاً أعرف بأن جثّة بن لادن رميت في البحر من على مدمّرة أميركيّة حتى لا يكتشفها أحد، لكنّك أخرجتها ووضعتها على الطاولة أمام الناس وكفّنتها ووضعت العطر عليها ووضعت نفسك في الكفن. هل نستطيع الحديث عن نظرة مشتركة هنا؟

ر. ا: سعيد بأنّك تجد أن الأمر مشترك، وهذا ما أعتقده أيضاً منذ أن التقينا أثناء معرضيلكل داء دواء“. أحبطتني بروايتك لأنّ الحقيقة موجعة، وهذا ما نشعر به من الخوف المستمر من حدوث شيء، والجبن الذي نشعر به من تحقّق هذا الأمر، وفي النهاية أن أقرأ ذلك منك أنت كان أمراً قاسياً. صحيح أن علاقتي بعمّان مختلفة، لكن أن أقرأ عن الأماكن بهذا الشكل لم يكن سهلاً.

أ. ز: من الممكن أن تواجد شخصيّتك في الرواية أقحمك في هذا الفكرة: الفنّان البديل الذي يتكلّم بـلهجة لبنانيّة صرف، لديه مهارات محاسبيّة ساعدته في إيجاد دوره ببناء عمّان التي ستنهدم مرّة أخرى بنفس الطريقة.

ر. ا: إضافة إلى أن كل ما نحاول تجنّبه تحقّق.

أ. ز: لكن هل عملك هو محاولة لتجنّب ذلك؟

ر. ا: هو محاولة للفهم. ففي السنوات الأخيرة خلق وضع جديد جعلني أعيد حساباتي وأعيد النظر فيما أريد قوله وفهمه. الآن أجد أنّني أعود لأماكن تضمن مواجهةً أقل وتحليلاً أكثر. فنحن انكشفنا تجاه ما يحدث على الأرض.

أ. ز: أنت أمام شبه نكسة بكل الانحطاط الحاصل وكل انعكاسات الربيع العربي والصراعات الطائفيّة، إضافة إلى أن الأمور تتجه إلى التصعيد وقريباً ما ستصل إلينا في الأردن. فهل انكشف تأثير العمّال الثقافيين أم انكشفنا أمام أنفسنا؟

ر. ا: الاثنان أعتقد. فأوّل ما خطر ببالي عندما بدأ الربيع العربي أنّ هؤلاء الشباب سبقونا وسبقوا كل الناس، وفعلوا ما كنّا نحاول الإشارة إليه. انكشفنا أمام أنفسنا بالدرجة الأولى وأصبحت مصداقيّتنا على المحك. والآن لم يعد هناك مجال للكذب بالطريقة التي تريد أن تناقش المواضيع بها.

أ. ز: أعمالك كانت مهمّة في فهم مكاني بالمدينة منذ البداية في معرضلكل داء دواء، وحتى معرضعلى هذه الأرض“. في أي عام أقيم آخر معرض؟

ر. ا: أواخر 2012. آنذاك شعرت بأنّها مرحلة ويجب أن تُطوى وتتغيّر. فقمت باستفراغ كل الأفكار غير القابلة للإنتاج كعمل كامل: أفكار شخصيّة متعلّقة بسذاجتي وتعاطيّ مع المواضيع. المعرض كان عبارة عن دكّان تبيع منتجات للثوّار أو المتظاهرين.

أ. ز: المفارقة فيما يخصّ رغبتك بالتخلّص من الأمور في نفس الوقت الذي كان هذا آخر معرض لك في عمّان.

ر. ا: لم أكن متأكدّاً من أنّني سأترك عمّان، لكنّني شعرت بأن ثمّة ما يجب أن يتغيّر، فكان المعرض تهييئاً لتركي المكان من دون تحديد الوجهة. قمت بكشف نفسي أمام الزوّار في المعرض/ الدكّان، ومن دعوتهم للجزء الثاني من المعرض في المنزل لمشاهدة أعمال قد تسبب لي حرجاً. الإشكاليّة هنا في نقطتين: الأولى أنّه إذا ما كان العمل فعلاً للعرض أو للنقاش، لكنّ العمل كان بمكان الإنتاج وليس بمكان العرض، والثانية في حماية نفسي من الأذى المحتمل بسبب طبيعة الأعمال المعروضة.

أ. ز: خاصة عملمؤتمر القمة العربيّة

ر. ا: نعم، وأعمال أخرى تتعلّق بشخصيّات عامة وبالدين. لا أعرف فعلاً إن كانت هناك ضرورة لمناطحة هذه الأفكار. هناك بالطبع ضرورة، لكن طريقة العرض كانت تعكس قلّة الثقة بهذه المناطحة، والخوف من المواجهة.

أ. ز: مشكلتي في تلقّي المنتجات الثقافيّة، كأعمالك، هي في نفي انفصال هذه المنتجات عن المكان المرتبطة فيه. فمثلما كنت تسألني في ذروة الحراك الأردني عمّا يحدث، أنا نفسي لم أكن أفهم ما يحدث، كنا نشارك في مظاهرة يوم الجمعة، ثم نرجع لنتناول الغداء ونرجع لنلتقي في الليل ونسهر، كما لو أن المظاهرات تشبه المعارض الفنيّة، فخلال العرض تقوم بإلغاء السياق الجاري من حولك، وتضع نفسك على المنصّة ليتفاعل الناس معك، ومن ثم بكبسة زر ترجع الدنيا لتتحرّك من حولك مرة أخرى. هذا ما جعلني أفكر بـدولة اسماعيل“. فعندما تساءل أفراد المخابرات عن العمل إذا ما كان يقترح وطناً جديداً يقوّض الحالي، ذكّرني بنفس التهمة التي يحاكم عليها شباب الحراك الآن. أنت هنا أعدت إنتاج الاحتلال، إذ نحن نتعامل مع احتلال فلسطين بشكل بديهي جداً فأصبحت فلسطين مجرّد صورة على التلفاز، ويمكن أن طعم رملها أفضل من الكنافة. المهم بالنسبة لي هو نزع القداسة بالرمزيّة والتهكّم.

ر. ا: في البداية كنت أتساءل عن فكرة احتلال بلد آخر، والجواب كان بأنّنا تربّينا على الاحتلال، وتمّت معاقبتنا بفكرة بلد محتل وكبرنا وهي متحقّقة. أما عن ضرورة إنتاجها في مكان عام، فالقرار جاء من ضرورة إثارة الموضوع ووضعه على الطاولةكما في روايتك. وإذا سلّمنا أن البداية بديهيّة، يأتي بعدها سياق العمل نفسه من ذاكرة وواقع ووجهات النظر المساندة والمضادة. هنا تقع في لعبة إذ يؤمّن لك العمل نفسه المساحة الوحيدة لمناقضة نفسك، ليصبح العمل هو المنتج إضافة إلى ردود الفعل أو التجاهل أو حتّى المنع. وهذا ما حصل فيدولة اسماعيل، إذ بدأت اللعبة غير المتوقّعة، وقرّرت استكمالها ووضعها في سياق عمّانالمدينة المفترض أنّها تحمينا. كان من المهم أن تكون عمّان هي المكان الذي يتحقّق في شرعنة الدولة التي تم اختراعها. ومن هنا أيضاً بدأت فكرة مدينة عمّان ذاتها: أن تجلب مواطنين إلى هذا البلد وتجمعهم فيها على أساس ديني عرقي.

أ. ز: قلت أنعمّان تحمينا“: تحمي من، ومن ماذا؟

ر. ا: أنت قلت بأن البلد أصبحت معرّضة لما يحدث من حولنا أكثر من أي وقت. يعني هل ننتظر حتّى يموت ابن خالتي حتّى أتأكّد من أنّنا معرّضون لذلك؟ ماذا عن السوري؟ والعراقي؟ والفلسطيني؟ نحن فعلاً تحت حماية هذا المكان الوهميّ، فإمّا هذا الوضع أو سينتهي مصيرنا كما ينتهي الآن في سوريا والعراق.

أ. ز: المشكلة أنّنا نتعامل مع نظام هشّ، لكن أيضاً تم التعامل معه بشكل فضفاض. عندما ناقشنا دور الفنّان في نموذج معرضصور قطط اللويبدةأثناءجلسات الربيع، أفكّر الآن في ذلك النقاش وأشعر بالإهانة. سأتقبّل أيّ معرض يرسم الذباب في بروكلين أو برلين، لكنّني في عمّان أرفض هذا النوع من الاسترخاء الجمالي، فالفن كما تعلم امتياز الآن، كما أن اللغة امتياز والتعليم امتياز.

ر. ا: أتقبّل هذا النوع من الفن لأنّني أتقبّل أن يكون كل شيء موجود كما هو ومن دون أن أحكم عليه. علينا القبول بأنّه ثمّة أشخاص ليس لديهم رأي واضح لكنّهم قادرين على التعاطي مع الأمور بتعقيد أقل منّا. هؤلاء يصبحون خطراً عندما يستطيعون التنظير للتفاهة، ويتحوّلون إلى قوّة عندما يعرضون أعمالهم من دون أن يحمّلوها أكثر من حدّها. المشكلة هنا ليست بتقريرهم هم تحديداً لذلك، بل المجتمع الثقافي من كتّاب ونقّاد وحتّى المؤسّسات الفنيّة التي تتعاطى مع هذه الأعمال على أنّها مهمّة. “برافوأنّهم متواجدون وقادرون على الإنتاج، العار علينا لأنّنا لسنا موجودين ولم ننتج. هناك حاجة كبيرة لجماليّات من هذا النوع لنتذكّر بأنّنا بشر ولدينا حاجات إنسانيّة في التعبير عن الجمال والحب والجنس من دون أن نحمّل هذه الحاجات ما هو أكبر من حجمها.

تحدثت عن طريقة تعاطينا مع الحراكات السياسيّة وماذا نطلب منها. مجرّد الحديث عن سقف المطالب يحدّدها، فإذا لم يكنالكللا يكون شيئاً. في روايتك جعلت الناس يقتلون ويأكلون بعضهم حرفيّاً، ولم تر حلّاً إلا في التهديم وإعادة البناء في توصيف لفوضى ليس لها حل. أنا أوافق، لا أريد أن يحدث دمار وقتل، لكن لا أجد حلاً أثناء هذا العصر إلا القوّة والفوضىوهذا نظريّاً فقط. فما يحدث حاليّاً من استقواءداعشفي العراق وسوريا ومع كل الدعم الذي يحصلون عليه يجعلنا نتساءل عن الحراك الأردني إذا ما كان فعلاً يواجه نظاماً محليّاً، هذه سذاجة. في هذه البلد، إذا ما أردت أن تناطح فستناطح دولاً.

أ. ز: فعلاً، فإذا أردت أن تحافظ على الروح التي ترفض بها الوضع القائم، اعرف أنّك تقوم برفض إسرائيل وأميركا وقطر والسعودية والاتحاد الأوروبي. على غير عادتي، أرى أن هناك أملاً.

ر. ا: هذا ما رأيته في روايتك، وخاصة في نهايتها. عمّان مدينة مسكينة بناسها لأنّهم عالقون بسياق تاريخي لم يرحم أحداً في كمّاشة هائلة يتواطأ العالم عليها، ووضعوا أمامهم خيارين: إما هذا الوضع، أو أشخاص مستعدّون لأن يقتلوك لمجرّد أن اسمكأحمد“.

أ. ز: من خلال مناقشاتنا فيجلسات الربيع، أرى هذاالتنظيربشكل أوضح لدى النخبة المبهورة بنفسها والتي تتواطأ مع السلطة، وتنتج أعمالاً مثلمعرض صور قطط اللويبدة“. أنت تخوّفت من هذا التحوّل إلى التنظير، وهذا ما يحدث للأسف. الأمل في النهاية في مدينة صغيرة مثل عمّان أن يستعمل ثلاثة أشخاص امتيازهم. وأعتقد أن الأمور على الطريق.

ر. ا: أصدقك وأوافقك، لأن منتجاً واحداً كفيل بإزاحة هؤلاء عن الواجهة.

Advertisements

Join the discussion

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: