نقاشات حول هامشيّة الغذاء في عصر التكنولوجيا

مقتطفات من حديث بين ياسر العمد وأسونسيون مولينوس غوردو وزينة تلهوني.

(…)

الجزء 1:

ياسر: حسنًا، وقيمة الأرض للمزارعين الأصليين هي ليست، نظراً لأيّ مقياس، القيمة الماليّة للأرض، صحيح؟ إنّه أسلوب الحياة الذي تقدّمه الأرض. بينما، وبسبب طريقة عمل الاستثمار الزراعي، لا يتعلّق الموضوع فعليًا بالاستثمار في المزرعة فقط، بل بالاستثمار في الأرض. لذلك، على سبيل المثال في المفرق شمال الأردن، هكذا تجري العمليّة: يشتري الأثرياء الأرض للأرض نفسها. بعد ذلك، يأتي التّساؤل حول ما الذي ستقومين بفعله بالأرض، ستزرعينها بشكل مؤقت، امتلاك الأرض قيمة راقية بحد ذاتها، وتدرّ القليل من الدخل، لكنّكِ في الحقيقة تنتظرين فقط. حتى وإن كان الدخل مستداماً، أنت تنتظرين فقط اليوم الذي تصبح فيه الأرض أغلى بما فيه الكفاية لتبيعيها لمصنع أو مطوّر أو لمؤسسة غير ربحيّة تحتاج لتوسيع خدماتها في الشّمال، أو أي شيء مشابه.

أسونسيون: لدي الانطباع أن كثيرًا من الأمم مؤخرًا لا يريدون حقًا التعلّق بالزراعة، وكأنها شيء يريدون التخلص منه. أتعلم، في الأخبار والمؤتمرات على سبيل المثال سيقولون شيئًا كـ”هذه الدولة مازالت معتمدة، اقتصاد هذه الدولة مازال معتمدًا بنسبة 80% على الزراعة، وكأن..

ياسر: وكأنّه أمر رجعيّ.

أسونسيون: لم يصلوا لنقطة التقبّل بعد، حسنًا. وكأن كل الدول ستتوجّه نحو التكنولوجيا أو الخدمات الماليّة أو غيرها. يتم تفسير كل الحديث حول “الاعتماد”  على الزراعة وكأنّه عالق في الزمن، ممارسًا لشيئ لا ينبغي أن يتم ممارسته الآن. والموضوع أن هذا شكل آخر من الثقافة الاستعماريّة. والطريقة التي لا تولي بها الأمم والدول اهتمامًا بالزراعة كقطاع له علاقة كما تعلم وكأنه شيء سيختفي أو يتقلّص في نهاية الأمر. ما أعنيه هو أن حالة الانتظار كما وصفتها، الزراعة بشكل مؤقت أو الزراعة كفعل انتظار، ليست فقط لرجال الأعمال. أعتقد أنك تراها على مستوى الأمم أيضًا، وكأنهم ينتظرون اليوم الذين يصبحون فيه محورًا ماليًا أو شيء من هذا القبيل.

زينة: ما اللغة التي استخدمتِها بتقدير لإسبانيا سابقًا؟ ما النسبة الاقتصاديّة العائدة على الزراعة في إسبانيا؟

أسونسيون: لست متأكدًة، لكن أعتقد أنها كبيرة. والزراعة هي أحد الأشياء القليلة التي مازالت فعلًا تعمل بعد الأزمة الاقتصاديّة. في الحقيقة، كان هناك عودة للجانب الريفي، في قريتي مثلًا، حيث العديد منّا الذين غادروا عادوا. وكثير من أصدقائي الذين كانوا مصورين، وكان لديهم متاجر، وتجارة، هم الآن بعد عودتهم يهتمون بأرض والديهم ويعملون بها. يعودون لأن الزراعة في نهاية المطاف مستقرة جداً.

زينة: بالضبط، لأن الكل يحتاج لقمة عيشه.

الجزء 2

ياسر: ولكن، أعتقد أن جزءًا من المشكلة هو أيضًا عندما نعزل النشاطات الزراعيّة يتم الحديث عن الزراعة وكأنها الفلاحة فقط، صحيح؟ مثلًا، عندما نتحدث عن إنتاج معجون الطماطم مثلاً، أو حتى منتجات الألبان وغيرها، كل ذلك يتم مناقشته تحت مصطلح الصناعة أو التصنيع كأنها معاكسة للعملية المستمرة لإنتاج الطعام، من إنتاج الطعام للاستهلاك. لذلك يبدو لي أن إحدى طرق استدامة الزراعة أو إعادة تأهيلها كجزء من الاقتصاد الصناعي أو الحديث هو إزالة وصمة العار وهذا مهم. ولكن الطريقة الأخرى هي أن تُرى كجزء من دورة كبيرة: وهي ليست الإنتاج فقط، لنقل الطماطم، لكن إنتاج الطماطم، الطماطم المجففة، معجون الطماطم، والكاتشب، وغيرها. والتي كما هي في المجتمع الفلاحي التقليدي.

زينة: إنه كذلك، نعم.

ياسر: أنت تنتجين الزيتون؛ إذًا تنتجين زيت الزيتون، أنت تنتجين العنب؛ إذًا أنت تنتجين النبيذ والخل والمنتجات الأخرى. للأسف الطريقة التي تعمل بها الأمور هو أن المنتجات الثانويّة -أو ما يسمى في اللغة الحديثة بمنتجات القيمة المضافة- قد تم تصفيتها من الزراعة. يتم الادعاء أنها من الصناعة. أن تنتج، لنقل الطماطم المجففة تعتبر من الصناعة، وليست من العملية الزراعية. هذا قائم على سوء فهم عن ماهية المجتمع الزراعي التقليدي. إنه مجتمع منتج للطعام بكل حالاته، لذلك أعتقد أن هناك طريقة أخرى من الممكن أن تعيد تأهيل الزراعة كجزء قيّم من الاقتصاد “الحديث” وهي التأكيد على المدى أنها ليست مجرد إنبات بذرة، حصادها ثم البدء مجددًا، إنها دورة الإنتاج بالكامل.

زينة: أجل، لكن للأسف في النموذج الأردني الأمر متعلق بزراعة البذرة، الحصول على الثمرة، تعليبها وتصديرها.

ياسر: لكن مازلنا نستطيع الوصول للتقاليد الأصيلة، لم تنتهي هذه التقاليد بعد، صحيح؟ أعتقد أن هناك فرصة لإعادة تأهيل هذا النموذج الآخر الذي يأخذ فترة أكبر وأطول من انطباعهم عن الإنتاج. صحيح؟ عندما يعني الإنتاج فعلًا الصناعة وليس ببساطة التصدير.

زينة: نعم، لكن أعتقد المشكلة في ذلك من وجهة نظر المستهلك –مشتري الخضراوات من سوق الخضراوات- أنه معتاد على شراء المنتجات غير المحليّة. فاهم علي؟ إذًا..

أسونسيون: مع أن الحالة في الأردن لا بأس بها. ذهبت هذا الصباح للسوق وكثير مما اشتريت كان محليّاً.

زينة: أردنيًا. حقًا؟

أسونسيون: نعم. أعني الحالة المعاكسة تمامًا هي الخليج بشكل واضح. لأنهم لا يستطيعون إنتاج أي شيء.

ياسر: نعم، لدينا بعضًا من المنتجات المحليّة. لكن من العجيب أن تذهب لشراء الزيتون مثلًا –ونحن نصدّر الزيتون بالمناسبة- وغالبًا ما تشتري الزيتون المستورد. كثير من الزيتون المعروض في محلات الزيتون ليس من هنا، والشيء نفسه ينطبق على المخلل. إنه شيء غريب فعلًا.

زينة: فعلًا هو كذلك

ياسر: إذًا نحن الآن نصدر الخيار، والسنة الماضية حرفيًا استوردنا، نسيت الرقم ولكن..

أسونسيون: خيار مخلل، من ألمانيا والولايات المتحدة.

زينة: من بولندا! لا أحب المخلل البولندي حتى!

ياسر: لا، لا. لكن على الأقل بولندا تنتج الخيار. نحن نستورد منتجات الطماطم، وذلك غريب بما فيه الكفاية اعتبارًا أننا ننتج الطماطم، لكن أكبر شركاءنا التجار الذين نستورد منهم منتجات الطماطم هم عُمان والإمارات. هاتان دولتان لا تزرعان الطماطم.

أسونسيون: أنتم تستوردون الطماطم من..؟

ياسر: عُمان والآن الإمارات، هاتان الدولتان اللتان تستوردان معجون الطماطم على مستوى صناعي، لإنتاج الكاتشاب وكل أنواع منتجات الطماطم. لذلك ما أعنيه هو أن ذلك هو الغريب فعلًا فيما يخص العولمة، أو أيًا كان ما تريدين أن تسميه، الاقتصاد الحديث للطعام. هناك نوعية غريبة متعلقة به: نحن نصدر الطماطم ثم نستمر باستيراد كل منتجات الطماطم التي كنا نصنعها على مستوى قروي. أعني، معجون الطماطم ليس اختراعًا غربيًّا. قد كان فقط جزءًا من موسم حصاد الطماطم.

أسونسيون: ربما يأتي ذلك من الفصل –الذي ذكرته- بين الإنتاج والتصنيع. التصنيع اكتسب مقياسًا آخر ليس مشوّهًا وهو مفصولًا أيضًا فيما يخص المكان. لذلك، صحيح كيف يكون لدينا دولة كالإمارات غير منتجة، إنها مصنّعة. وهذا يتضمن نوعًا من الإقصاء للمادة الخام. أتعلم، كل الفضل يذهب للتصنيع والمعالجة والتصميم …..وإلخ

زينة: ذلك جنون.

أسونسيون: المادة الخامة شيء مازلنا نتجاهله. وكأنه بالفعل لا تستطيع صنع كنزة فخمة جدًا إن لم يكن لديك القطن اللعين.

الجزء 3

ياسر: أنا آسف، ما يزعجني هو رفض الإقرار بممتلكاتنا. ليس أنتِ تحديدًا، لست أتحدّث عن رفضك، لكنه رفض قسري لأن اللغة التي نستخدمها هي مستوردة أيضًا. أعني، لدينا حلول بديهيّة في مكانها مسبقًا. البقّال الصغير على سبيل المثال، هو ميزة كبيرة من الممكن أن تحل مشكلة الطعام في مكان كلوس أنجيليس إن كان لديهم. نحن لدينا كمثله، لكننا لا نقرّ به كميزة حتى.

أسونسيون: نعم نعم. أعتقد أننا نبحث عن الحلول، إنها مسألة تفكير بكيفيّة ربط كل الجهات المتواجدة مسبقًا: المنتجون الصغار، الوسطاء مثلك ومثل الأشخاص الذين ذكرتهم، المستهلكون، ثم هؤلاء الذين يمثلون الميزة الخفيّة، كل تلك الأشياء هي أشياء أصيلة من الأردن، وهي تتواجد هنا لكنّها غير مستغلّة أو غير مقدّرة. هذا النوع من الممكن أن يتم عمله من وجهة نظر مشروع جمعي مشترك يخرج عن إطار المشاريع الحكومية وصدقة المؤسسات غير الربحيّة. إنها مسألة الحصول على دخل مادي من تلك النشاطات التي غذّت العالم منذ بدايته الأزلية، لكن الآن أجبرت على حالة من عدم التأهيل. إنها مسألة كيفية استعادة الاستقلال الذي كان لإنتاج الطعام، الفلاحة، الاستهلاك، والتوزيع قبل هذا الوضع الكارثي من الرأسماليّة الذي نعيشه اليوم. الحل هو شبكة، شبكة من الواجب أن تحدث بشكل طبيعي فضلًا عن طريقة منظمة ورسميّة باسم ما..

الجزء 4

ياسر: انظري لهذا، في ساعة من النقاش حللنا المشكلة كلها.

أسونسيون: (تضحك) يجب أن نعود لجذورنا. (تضحك)

ياسر: نعم! هذه هي! خلاص! انحلت المشكلة. ما التالي؟ لنتحدث عن داعش.

زينة: المسجل يومض، مالذي يعنيه هذا؟

أسونسيون: لأننا نضحك بقوة، لذلك السبب.. (تضحك)

Advertisements

Join the discussion

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: